عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

211

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

* وقال بعض العارفين : لو كانت الدنيا ذهبا فانيا ، والآخرة خزفا باقيا ، لكان الخزف الباقي أولى بالرغبة والطلب من الذهب الفاني ، فكيف والأمر بالعكس ؟ يعنى الدنيا هي الخزف الفاني ، والآخرة هي الذهب الباقي * قلت : بل الآخرة أجل وأفضل من الذهب المذكور ، فإنها مخلوقة من فاخر الجواهر والنور ذات اللذات والنعيم والسرور والحور * وقال بعض العارفين أيضا : في طلب الدنيا ذل النفوس ، وفي طلب الآخرة عز النفوس ؟ فيا عجبا لمن يختار الذل في طلب ما يفنى ، ويترك العز في طلب ما يبقى * قلت : ولما كتبت حكاية الجارية المذكورة خطر لي أبيات في معارضة قولها : * ألا يا دار لا يدخلك حزن * حيث ذكرتها بوصف الدار الآخرة التي قال اللّه سبحانه وتعالى إخبارا عن أهلها ( وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) ثم قال في آخر كلامهم ( لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ) أي تعب وغير ذلك ، وهي هذه الأبيات : ألا يا دار خلد طبت دارا * نعيمك لا يغيره الزمان إذا دار الفنا غرت وأضحت * خرابا ثم أعوزنا المكان فنعم الدار أنت لكل ثاو * بك اللذات والحور الحسان وأخرى لا يساوى تلك فضل * جوار الرب والنظر العيان تجل زاد في الجنان حصنا * على حسن به تنسى الجنان فنعم الدار أنت لكل ثاو وقولي : ثاو أي مقيم ، ولم أقل لكل ضيف كما قالت الجارية ، لأن الدنيا دار ضيف ، لأن الضيف من ينزل عند قوم مدة يسيرة ثم يرحل ، وهكذا أهل الدنيا ، كما قال القائل : ألا إنما الإنسان ضيف لأهله * يقيم قليلا عندهم ثم يرحل وأما الآخرة فهي دار الإقامة الأبدية ، وقد سماها صانعها سبحانه وتعالى دار المقامة في قوله تعالى حاكيا عن أهل الجنة ( وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ، إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ) : أي تعب والمراد دار المقام والهاء للمبالغة مثل علامة وشبهه وخطر لي أيضا مع الأبيات المذكورة هذه القصيدة